الشيخ محمد رشيد رضا

21

الوحي المحمدي

فسادها ، وظلمات ظلمها وجهلها ، وهو ما سرى إلى أهل الكتاب من المشركين ، إلا أن بعض النصارى خصّوه بالمسيح وبعضهم جعلوه عاما لجميع القديسين . ( السادسة ) مخاطبة جميع الناس ( في الآية 170 ) بأن هذا الرسول محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد جاءهم بالحق من ربهم حقّا محضا غير مشوب بالآراء والأهواء البشرية ، ولا بالتقاليد الكهنوتية « 1 » التي زادها رؤساء الأديان على ما جاءهم به الرسل الأولون فلم يعد يعرف أحد ما هو من اللّه تعالى وما هو منهم ، فإن يؤمنوا بما جاءهم به هذا الرسول يكن خيرا لهم ، وإن يكفروا فاللّه غنى عنهم . ( السابعة ) نداؤه أهل الكتاب ( في الآية 171 ) بالنهى عن الغلو في الدين ، وعن قول غير الحق على اللّه تعالى ، وبيانه لهم حقيقة المسيح الذي غالى اليهود منهم في الكفر به وتكذيبه ، والطعن في صيانة أمه الطاهرة ، وغالى النصارى فيه فجعلوه ربا وإلها ، وأنه قد جاءهم بالحق فيه ، وهو أنه بشر روحاني خلق بكلمة اللّه التكوينية وهي إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، وبنفخ روح القدس في أمه الطاهرة ، وبتأييد هذا الروح له في سائر أحوال نبوته ، وأن روحه عليه السلام قدّيسه من اللّه تعالى لا حظّ للشيطان فيها ، والنصارى يقررون أن الأرواح قسمان : طاهرة قديسة ، ونجسة شيطانية ، والتمييز بينهما مزية تحدث بها زعيمهم بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثيوس . ( الثامنة ) أمره تعالى أهل الكتاب بعد ما ذكر من حقيقة أمر المسيح أن يؤمنوا بما جاء به خاتم النبيين من الإيمان الصحيح بالله ، وتوحيده والإيمان برسله ، ونهيهم عن التثليث الوثني الهندي ، وعن اتخاذ الولد للّه عزّ وجلّ ، وع للّه بأنه المالك لكلّ ما في السماوات والأرض ، أي كل العالم ، ولو كان له ولد لكان ولده مثله لا ملكه ، ولكان محتاجا كاحتياج الإنسان إلى ولده سبحانه هو الغنى عن كل ما سواه كما هو مبين في الآيات الكثيرة الواردة في هذا المعنى « 2 » . ( التاسعة ) إنباؤهم في الآية ( 172 ) بأنّ المسيح لن يستنكف ، أي لن يأبى أنفة واستكبارا عن أن يكون عبدا لله ، ولا الملائكة المقربون - وهم أفضل الملائكة وأعلاهم منزلة عنده تعالى - أن يكونوا عبيدا له ، فإنه ما تم في الوجود إلا رب واحد كل من عداه عبيد له ،

--> ( 1 ) الكهنوتية : نسبة إلى الكهنوت ، وهي كلمة دخيلة من اصطلاح النصارى واليهود والوثنيين معناها وظيفة الكاهن ، وهو الذي يتولى بعض التقاليد الدينية المختلفة عند كل منهم . ( 2 ) راجع سورة يونس ، الآية : 68 ، وآخر سورة مريم وغيرهما .